أسعد السحمراني
69
الأخلاق في الإسلام والفلسفة القديمة
والحكمة ، في الوقت نفسه ، هي أساس العدل ، لأنّ العدل يكون عندما يتجاوز كل فرد أنانيته وينكرها ليمارس الإيثار والتضحية من أجل المجموع . وهذه القناعة جعلت سقراط ينصرف كلّيا لتهذيب نفوس الناشئة في عصره مهملا مصالحه الخاصة من ثروة وجاه ولذّات شخصية . لكنّ معرفة النفس ، التي هي طريق لفعل الخير ، لا تعني فتح الباب أمام المقياس الفردي للقواعد الأخلاقية ، لأنّ هذا رفض للحقيقة المتوافق عليها بين الناس في مجتمع ما ، وهي نسبية مفرطة كان يقول بها السوفسطائيون . أما سقراط فقد حاول أن يؤسس للأخلاق قواعد معرفية ، وقيما ثابتة تتجاوز حدود المكان والزمان . « إنّ سقراط قد ردّ الأحكام الخلقية على الأفعال الإنسانية إلى مبادئ عامة تتخطّى الزمان والمكان ، وإنّه كان أوّل من توخّى إيجاد مقياس ثابت تقاس به خيرية الأفعال وشرّيتها » « 1 » . يربط سقراط فعل الخير بمعرفته فقط ، علما أنّ سيادة القواعد الخلقية يحتاج إلى علم يقترن بالعمل وفق هذا العلم . وهنا كانت الثغرة في فلسفة سقراط . وإذا كنّا نوافقه على « أنّ المرء لا يكون فاضلا حقّا إلّا إذا أتى الفضيلة عن علم ، ولكنّا لا نسلّم له أنّه حتى علم أنّ هذا خير فعله ، وأنّ هذا شرّ نأى عنه . فقد يقع العالم بالخير حقّ العلم في الشرّ ، وبعبارة أخرى نجد بين الأشرار من هو على معرفة تامة بالفضائل والرذائل » « 2 » . ولعلّ السبب الذي أوقع سقراط في هذه الثغرة هو اعتقاده بأنّ للخير أصلا ثابتا في شخصية الإنسان ، وهذا الأصل الثابت يولّد ما نسميه بالضمير الذي يشكّل دور الضابط لحركتنا بحيث يعطينا الأوامر باستمرار بالإقدام على عمل ما والإحجام عن عمل آخر . وفاعلية هذا الضابط ، برأي سقراط ، تزداد
--> ( 1 ) الطويل ، د . توفيق ، الفلسفة الخلقية ، القاهرة ، دار النهضة العربية ، سنة 1967 ، ص 34 . ( 2 ) موسى ، د . محمد يوسف ، تاريخ الأخلاق ، القاهرة ، دار الكتاب العربي ، سنة 1373 ه - 1953 م ، ص 70 .